يستعرض الباحث فرانك تالبوت في هذا التحليل النقاش الدائر حول التدخل الأمريكي والإسرائيلي في إيران، ويشير إلى أن كثيرين يقارنون هذا التدخل بالتجربة الليبية عام 2011. لكن هذه المقارنة، في رأيه، قد تقود إلى استنتاجات خاطئة إذا تجاهل صناع القرار الفروق الكبيرة بين البلدين من حيث الحجم والقوة العسكرية والبنية المؤسسية والدور الإقليمي.
وينشر أتلانتيك كاونسل هذا التحليل الذي يوضح أن تجربة ليبيا تقدم دروسًا مهمة تتعلق بتصميم التدخلات العسكرية، خصوصًا عندما تسعى قوى خارجية إلى التأثير في مستقبل سياسي لدولة أخرى. ويرى التحليل أن النجاح العسكري لا يكفي وحده إذا غابت رؤية سياسية واضحة لمرحلة ما بعد الصراع.
تحديد الهدف السياسي للحرب
توضح تجربة ليبيا كيف قد تنحرف الاستراتيجية بسرعة عندما تغيب الأهداف السياسية الواضحة. فقد بدأت عملية حلف شمال الأطلسي عام 2011 تحت شعار حماية المدنيين استنادًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 1973.
لكن مع استمرار العمليات العسكرية طوال سبعة أشهر، اقتربت الحملة تدريجيًا من هدف إسقاط نظام معمر القذافي. ويختلف تصميم الاستراتيجية العسكرية باختلاف الهدف السياسي. فحماية المدنيين تتطلب نهجًا معينًا، بينما تحتاج محاولة إجبار نظام سياسي على التفاوض إلى أدوات مختلفة، في حين يستلزم السعي إلى إسقاط النظام التخطيط لمرحلة سياسية جديدة بعد الصراع.
في الحالة الليبية لم تحسم هذه الفروق بوضوح. وبعد سقوط القذافي لم تمتلك الدول المشاركة في التدخل خطة مشتركة لتنظيم المرحلة الانتقالية أو إعادة بناء مؤسسات الدولة أو استعادة الأمن.
وأدى غياب هذه الخطة إلى تفكك السلطة بين ميليشيات محلية وقوى إقليمية وحكومات انتقالية ضعيفة، وهو ما جعل الدولة الليبية عاجزة عن بسط السيطرة الكاملة على أراضيها.
ويؤكد التحليل أن الدرس الأساسي للحرب على إيران لا يتعلق فقط بفكرة تغيير النظام، بل بضرورة وضوح الهدف السياسي منذ البداية. فإذا سعت العمليات العسكرية إلى الضغط على القيادة الإيرانية بهدف التفاوض، فعلى صناع القرار تحديد اللحظة التي يتوقف فيها التصعيد ويبدأ فيها المسار الدبلوماسي.
أما إذا قادت العمليات إلى إضعاف النظام الإيراني بشكل أعمق، فإن مسألة ترتيب الخلافة السياسية واستمرار مؤسسات الدولة تصبح قضية أساسية لا يمكن تجاهلها.
ولهذا يظل السؤال الذي طرحه الجنرال الأمريكي ديفيد بترايوس خلال حرب العراق حاضرًا في هذا السياق: كيف ستنتهي هذه الحرب؟
توحيد أهداف التحالف
تلعب سياسة التحالفات دورًا مهمًا في مسار أي تدخل عسكري، أحيانًا بقدر تأثير القوة العسكرية نفسها.
فخلال الحرب في ليبيا قدم حلف شمال الأطلسي صورة جبهة موحدة أثناء الحملة الجوية، لكن الدول المشاركة امتلكت رؤى مختلفة حول هدف التدخل وحدوده.
رأت بعض الحكومات أن المهمة تقتصر على حماية المدنيين، بينما اعتبرت دول أخرى أن الحملة تمثل فرصة لإسقاط نظام القذافي.
ولم تمنع هذه الاختلافات التعاون العسكري، لكنها عقدت عملية صياغة استراتيجية مشتركة. فقد سارت جهود الدول المشاركة في مسارات مختلفة، بينما بقيت مسؤولية التخطيط للاستقرار السياسي في ليبيا موزعة بين أطراف عديدة دون قيادة واضحة.
وقدمت جامعة الدول العربية دعمًا سياسيًا للتدخل، وهو ما ساعد في منح العملية شرعية إقليمية، لكن هذا الدعم لم ينهِ الخلافات بين القوى المشاركة حول الأهداف طويلة المدى للحملة.
ويرى التحليل أن إدارة التحالف في الحرب على إيران تتجاوز مجرد التنسيق العسكري. فعلى الولايات المتحدة وإسرائيل وأي شركاء دوليين محتملين الاتفاق بوضوح على معنى النجاح في هذه الحرب.
فإذا سعى طرف إلى تحقيق الردع فقط، بينما يسعى طرف آخر إلى إجبار إيران على التفاوض، ويأمل طرف ثالث في إضعاف النظام الإيراني بشكل جذري، فإن الاستراتيجية المشتركة قد تفقد اتجاهها بسرعة.
التحكم في التصعيد العسكري
تظهر تجربة ليبيا أيضًا قوة الضربات الجوية وحدودها في الوقت نفسه. فقد نجحت الغارات الجوية لحلف الناتو في وقف تقدم قوات القذافي وتغيير ميزان القوى على الأرض لصالح المعارضة.
لكن هذا النجاح التكتيكي لم يقُد إلى استقرار سياسي دائم. فقد ساهمت العمليات العسكرية في تسريع انهيار النظام دون وجود إطار سياسي واضح لإدارة المرحلة التي تلت ذلك.
وتواجه التدخلات التي تعتمد بشكل كبير على القوة الجوية معضلة تصعيد معروفة. فعندما تتدخل قوى خارجية في نزاع داخلي، تميل الحملة العسكرية تدريجيًا إلى السعي لتحقيق نتائج حاسمة على الأرض.
وفي الحالة الليبية اعتمدت الدول المتدخلة على قوات المعارضة المحلية للحفاظ على الضغط العسكري ضد النظام. ومع مرور الوقت اكتسبت هذه القوى نفوذًا أكبر داخل الاستراتيجية العامة للحملة.
وأدى الدعم الخارجي إلى تعزيز نفوذ بعض الميليشيات والفصائل، وهو ما أثر لاحقًا في المسار السياسي للصراع داخل ليبيا.
ويطرح التحليل سؤالًا أساسيًا بشأن الحرب على إيران: هل تندرج العمليات العسكرية ضمن استراتيجية واضحة تتحكم في مستوى التصعيد وتحدد نقاط توقف واقعية؟
فمن دون حدود سياسية واضحة قد تتحول حملة عسكرية محدودة إلى صراع أوسع يتجاوز أهدافه الأصلية.
دروس تصميم التدخلات العسكرية
يشير تحليل تجربة ليبيا إلى أن التدخل العسكري لا يقود بالضرورة إلى الفوضى، كما لا يعني أن القوة الجوية غير فعالة استراتيجيًا.
لكن الدرس الأعمق يكمن في أن النجاح العسكري لا يستطيع تعويض ضعف التخطيط السياسي للتدخل.
فعندما تستخدم قوى خارجية القوة العسكرية لتشكيل نتائج سياسية داخل دولة أخرى، فإنها تتحمل مسؤوليات استراتيجية أوسع بكثير من مجرد إدارة العمليات العسكرية.
ولهذا يتعين على صناع القرار تحديد الهدف السياسي النهائي للحرب، وتوحيد أهداف التحالفات المشاركة، ووضع آليات واضحة للتحكم في التصعيد.
ويرى التحليل أن النقاش الدائر حول الحرب في إيران سيستفيد كثيرًا إذا ركز على هذه الأسئلة بدلاً من الاكتفاء بمقارنة إيران بليبيا.
فقد تغير العمليات العسكرية مسار الصراعات، لكن غياب استراتيجية تربط بين الضغط العسكري وبناء نظام سياسي مستقر قد يحول النجاح التكتيكي السريع إلى حالة طويلة من عدم اليقين الاستراتيجي.
https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/three-lessons-from-libya-for-the-war-in-iran/

